في البدايات: نشأة ولي العهد
وُلد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في الرياض عام 1985م، ليكون الابن الخامس للأمير سلمان بن عبدالعزيز — الذي سيصبح لاحقاً ملكاً للمملكة العربية السعودية. نشأ في كنف أسرة تتشرّب الحكم والسياسة منذ الصغر، وتشرّب هو بدوره قيم المسؤولية والعمل الجاد.
تلقّى تعليمه في المملكة، وحصل على درجة البكالوريوس في القانون من جامعة الملك سعود عام 2007م. ومنذ تخرّجه، انخرط في العمل الحكومي بصمت وإخلاص، مستشاراً لوالده الأمير سلمان حين كان أميراً للرياض ثم وزيراً للدفاع ثم ولياً للعهد.
لم يكن الأمير محمد بن سلمان مرشحاً واضحاً للسلطة في بداياته — فالمملكة اعتادت أن تنتقل السلطة بين أبناء الجيل الأول من أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز. لكن الأقدار كانت تُعِدّ له مساراً مختلفاً.
صعود النجم: من مستشار إلى ولي عهد
حين تولّى الملك سلمان العرش في يناير 2015م، عيّن نجله محمداً وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية — وهو في التاسعة والعشرين من عمره فحسب. كانت هذه المهام الجسيمة اختباراً حقيقياً لشاب يُلقى على عاتقه ثقل قرارات مصيرية.
في أبريل 2015م، عُيِّن ولياً لولي العهد، وفي يونيو 2017م، صدر الأمر الملكي بتعيينه ولياً للعهد خلفاً للأمير محمد بن نايف — ليصبح بذلك الرجل الثاني في المملكة والمهندس الفعلي لمرحلة تحوّل تاريخية.
رؤية 2030: حلم يتحوّل إلى واقع
في أبريل 2016م، كشف الأمير محمد بن سلمان عن "رؤية المملكة العربية السعودية 2030" — وثيقة طموحة تُعيد تعريف هوية المملكة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. جاءت الرؤية في لحظة حرجة، حين كانت أسعار النفط تتراجع بحدّة، وكانت المملكة تواجه تساؤلات جوهرية حول مستقبلها في عالم يتحوّل نحو الطاقة المتجددة.
المحاور الثلاثة الكبرى للرؤية:
أولاً: مجتمع حيوي — تعزيز الهوية الوطنية والانتماء، وتطوير قطاع الترفيه والثقافة والرياضة، وتمكين المرأة ورفع نسبة مشاركتها في سوق العمل إلى 30%. وقد شهدنا فعلاً افتتاح دور السينما بعد غياب 45 عاماً، وإطلاق الفعاليات الكبرى، وتنظيم الفعاليات الرياضية العالمية على أرض المملكة.
ثانياً: اقتصاد مزدهر — تنويع مصادر الدخل والتخلص من الاعتماد شبه الكلي على النفط، ورفع نسبة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 40% إلى 65%، وخفض معدل البطالة إلى 7%. وقد شهدنا إطلاق صندوق الاستثمارات العامة ليصبح من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، وإطلاق مشاريع عملاقة كنيوم ومشروع البحر الأحمر وأمالا وترفية.
ثالثاً: وطن طموح — تطوير الحوكمة والكفاءة الحكومية، ورفع ترتيب المملكة في مؤشرات الشفافية وسهولة ممارسة الأعمال، وتعزيز الأمن والاستقرار.
التحولات الاجتماعية: ثورة هادئة
ربما لا يُدرك كثيرون حجم التحوّل الاجتماعي الذي شهدته المملكة في سنوات قليلة. فبعد عقود من القيود، أصبح بإمكان المرأة السعودية قيادة السيارة منذ يونيو 2018م — قرار بدا مستحيلاً لسنوات طويلة. وفتح مشاريع تجارية باستقلالية، والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
كذلك شهدت المملكة انفتاحاً غير مسبوق على قطاع الترفيه: مهرجانات ثقافية، وبطولات رياضية دولية، وسباقات فورمولا 1، ومباريات ملاكمة عالمية. كل ذلك في مجتمع كان يعدّ هذه الأمور من المحظورات قبل سنوات قليلة.
المكانة الدولية: المملكة على خريطة العالم الجديدة
على الصعيد الدولي، أعادت المملكة في عهد محمد بن سلمان تموضعها بصورة مختلفة. فبعد أن كانت تُعدّ دولة محافظة تتبع سياسة الحذر والتريّث، باتت تتخذ مواقف حازمة وتقود مبادرات إقليمية ودولية.
على الصعيد الاقتصادي: أصبحت المملكة عضواً فاعلاً في مجموعة العشرين، وتستضيف قمم دولية كبرى، وتستقطب استثمارات عالمية ضخمة. وأصبح صندوق الاستثمارات العامة — الذي تجاوزت أصوله 700 مليار دولار — لاعباً أساسياً في الاقتصاد العالمي، يمتلك حصصاً في كبرى الشركات العالمية من أوبر إلى لوسيد موتورز.
على الصعيد الرياضي: أصبحت المملكة قوة رياضية لا يُستهان بها، استضافت بطولات عالمية في كرة القدم والتنس والغولف والملاكمة، واستقطبت نجوماً عالميين كرونالدو ونيمار وبنزيمة إلى الدوري السعودي للمحترفين، وفازت باستضافة كأس العالم 2034م.
مشاريع العملاقة: بناء مستقبل بأيدٍ سعودية
لا يمكن الحديث عن محمد بن سلمان دون التوقف عند المشاريع العملاقة التي تُعيد رسم خريطة المملكة:
نيوم: مدينة المستقبل على ساحل البحر الأحمر، بتكلفة تتجاوز 500 مليار دولار، تضم "ذا لاين" — المدينة الخطية التي تمتد 170 كيلومتراً بلا سيارات ولا طرق تقليدية — و"تروجينا" منتجع الجبال، و"سينداला" جزيرة الترفيه.
مشروع البحر الأحمر: وجهة سياحية فاخرة تضم 50 جزيرة طبيعية بكراً، تستهدف استقطاب مليون زائر سنوياً بحلول 2035م.
أمالا: مدينة الترفيه والثقافة والرياضة بالقرب من الرياض، تُعيد تعريف مفهوم الترفيه في المنطقة.
القدية: مدينة الترفيه والرياضة والفنون، تمتد على مساحة 334 كيلومتراً مربعاً غرب الرياض.
التحديات والانتقادات
لا تخلو أي مسيرة من تحديات وانتقادات، ومسيرة محمد بن سلمان ليست استثناءً. فقد واجه انتقادات دولية واسعة في أعقاب مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018م، وهو ما أثّر مؤقتاً على صورته الدولية. كما تعرّض الحرب في اليمن لانتقادات إنسانية واسعة.
غير أن ولي العهد أثبت قدرة على تجاوز العقبات والمضي في مسار الإصلاح، مستنداً إلى شعبية داخلية واسعة، لا سيما في أوساط الشباب السعودي الذي يُشكّل نحو 70% من السكان.
الخلاصة: رجل يصنع التاريخ
يصعب الحكم على مسيرة لا تزال في منتصفها، لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن محمد بن سلمان حوّل المملكة العربية السعودية من دولة تعيش على ريع النفط وتتحاشى التغيير، إلى دولة تتبنى التحوّل بجرأة وتتطلع إلى مستقبل مختلف.
رؤية 2030 ليست مجرد وثيقة اقتصادية — إنها رهان حضاري على أن العرب قادرون على بناء مستقبلهم بأيديهم، وأن التنمية والهوية الإسلامية يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب. والأيام القادمة ستُظهر إن كان هذا الرهان رابحاً.