ثمة كتب تقرأها فتعرف أنك أمام معلومات. وثمة كتب تقرأها فتشعر أنك أمام إنسان.

"مرافئ الذكريات" من النوع الثاني.

حين تفتح صفحاته الأولى، لا تجد مقدمة أكاديمية ولا إهداءً مُزخرفاً. تجد رجلاً يجلس أمامك ويقول بكل بساطة: *"في حياة كل إنسان مواقف وقصص، منها السعيد ومنها البائس الحزين. أزعم أن حياتي احتوت كل ذلك."* — وفي هذه الجملة وحدها يكمن سر الكتاب كله: صدق لا يتزيّن، وجرأة لا تتعالى.

رجل يكتب حياته كما عاشها

غازي بن حمدان الشاعر لم يكتب كتاباً عن نفسه — كتب نفسه في كتاب. الفرق شاسع.

الكتاب جاء في جزأين يمتدان على أكثر من ستمئة صفحة، لكنك لا تحس بثقل الصفحات لأن الكاتب يمشي بك في حياته كما يمشي الصديق بك في حارته القديمة — يشير إلى هذا الجدار ويضحك، ويتوقف عند تلك الشجرة ويصمت. الكتاب سيرة ذاتية بأسلوب سردي حر، يجمع بين القصة والخاطرة والشعر، ويتنقل بين الزمان والمكان بلا تكلف. من جدة في السبعينيات إلى بريطانيا، ومن طفولة تربي الغنم إلى رجل يكتب عن الحب بأسلوب من عاشه لا من تخيّله.

جدة 1970م — حين كانت الذاكرة طفلة

أجمل ما في الكتاب هو طفولته. يأخذك الكاتب إلى جدة السبعينيات — إلى أسواقها القديمة وحاراتها الضيقة وحيواناتها الأليفة — بتفاصيل تجعلك تشم رائحة تلك الأيام قبل أن تراها.

في إحدى قصصه يحكي عن خروف صغير اشتراه والده من سوق الغنم، وكيف أصبح ذلك الخروف رفيقه الأول الذي لا يتركه لحظة، حتى حين ذُبح ضيفاً على مائدة العيد — حزن عليه الطفل حزناً لم يُفصح عنه، لكنه كتبه بعد خمسين عاماً بكل تفاصيله. هذا هو الكتاب: ذاكرة تأبى النسيان، وقلم يأبى الكذب.

الحب كما يكتبه من عاشه

لا يكتب الكاتب عن الحب من بُعد آمن. يكتب من الداخل، بكل ما فيه من دفء وجرح. خواطره العاطفية في الكتاب ليست قصائد رومانسية مُصقولة — هي اعترافات إنسان يعرف أن الحب أحياناً يخذل، وأن الوداع أحياناً لا يُقال. ما يميز هذه الخواطر أنها لا تبحث عن التعاطف، بل عن الاعتراف. وهذا الفرق هو ما يجعلها تصل.

ساخر لكنه لا يجرح

من أطرف ما في الكتاب مقطع بعنوان "كتب وكتب" — نقد ساخر لعالم التأليف والنشر، يصف فيه كيف تضج رفوف المكتبات بكتب تُثري الناشر وتُفقر الكاتب، وكيف أن الكتاب الجيد لا يُكتب لأن مؤلفه يريد المال، بل لأنه يريد أن يقول شيئاً يستحق أن يُقال. هذا المقطع وحده يكشف عن وجه آخر للكاتب: المفكر الذي يرى ما وراء الأشياء، ويقوله بابتسامة لا بصرخة.

الغربة — حين تكون الذاكرة وطناً

الجزء الأكثر عمقاً في الكتاب هو ذلك الخيط الخفي الذي يربط كل قصصه: الغربة. ليس غربة المكان فقط، بل غربة الزمن — ذلك الشعور بأن الأيام الجميلة مضت ولن تعود، وأن الإنسان يحمل في داخله مرافئ لن يرسو فيها مرة أخرى. لذلك اختار الكاتب هذا العنوان بعناية: "مرافئ الذكريات" — لا "ذكريات" فحسب. المرفأ مكان تُرسي فيه ثم تغادر. الذكريات مرافئ لا تعود إليها بجسدك، لكنك تعود إليها بقلمك.

لماذا تقرأ هذا الكتاب؟

لأنه يذكّرك أن حياتك — مهما بدت عادية — تستحق أن تُحكى. لأنه يُثبت أن الصدق أقوى من البلاغة. ولأنك حين تنتهي منه ستجد نفسك تتذكر قصصك أنت — تلك التي ظننت أنها لا تستحق الكتابة.

وهذا هو أثر الكتاب الحقيقي: لا يجعلك تعرف أكثر، بل يجعلك تشعر أعمق.

*"آمل أن أقدم سرداً شيقاً وبدون تكلف لحياتي، أتمنى أن يروق لكم ثم أضفت بعضاً من الخواطر والشعر أتمنى أن تقضوا مع قصصي وخواطري وأشعاري أوقاتاً ماتعة..."* > > — غازي بن حمدان الشاعر، من مقدمة الجزء الثاني