يستحق التأمل العقل المدبر وراء تقنية الواي فاي التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية؟ قصة الدكتور حاتم زغلول، العالم المصري الذي أضاء العالم بالاتصال اللاسلكي، هي قصة إلهام وإصرار تستحق أن تروى. فبينما يتمتع الملايين حول العالم بفوائد هذه التقنية، يظل اسم زغلول، للأسف، غير معروف للكثيرين، رغم إسهاماته الجليلة التي غيرت وجه الاتصالات الحديثة.

ولد حاتم زغلول في إمبابة بمصر، ونشأ محاطًا بالأصدقاء والعائلة، حيث بدأت شرارة شغفه بالعلوم تظهر بوضوح خلال سنوات دراسته الإعدادية. كان التحاقه بفصل خاص للطلاب المتفوقين في مدرسة إمبابة الإعدادية نقطة تحول، حيث بدأ هو وزملاؤه في ابتكار اختراعات بسيطة مثل أجهزة الراديو الصغيرة. ثم انتقل إلى مدرسة الأورمان الثانوية في الدقي، حيث برع في مادة الرياضيات الحديثة، مما مكنه من الالتحاق بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، على الرغم من أن حلمه كان دراسة العلوم.

بعد تخرجه من الهندسة، انضم زغلول إلى كلية العلوم بجامعة عين شمس لدراسة الرياضيات التطبيقية. وبعد خدمته العسكرية، عمل في شركة خدمات نفطية وسافر إلى أوروبا، حيث بدأ في دراسة مجالات جديدة في الموجات الكهرومغناطيسية والموجات الدقيقة، ودمج دراساته في الاتصالات مع تطبيقات الموجات الكهرومغناطيسية. كان هذا التوجه هو بداية مساره نحو التميز في مجال الاتصالات اللاسلكية.

انتقل زغلول إلى كندا، حيث بدأ العمل على تطوير الجيل الثالث من شبكات الهاتف المحمول. كان التحدي الحقيقي هو إنشاء جيل جديد من الاتصالات يكون أكثر كفاءة وأمانًا. وبعد عدة تجارب، نجح هو وزميله ميشيل فتوح في ابتكار تقنية لنقل البيانات لاسلكيًا، والتي نعرفها اليوم باسم "الواي فاي". في البداية، قوبل اختراعهم بالرفض من قبل 60 شركة كبرى، ولم يبدِ اهتمامًا سوى ثلاث شركات فقط، مما أصابهم بخيبة أمل كبيرة.

ولكن بفضل نصيحة رجل أعمال كندي، قرروا تقديم نموذج عملي للفكرة بدلاً من مجرد مفهوم نظري. عرض عليهم رجل الأعمال خمسة ملايين دولار لشراء المشروع، بشرط أن يثبتوا قدرتهم على تنفيذ الفكرة. وبالفعل، نجحوا في إنتاج نموذج نهائي في غضون تسعة أشهر. في أكتوبر 1993، قدموا أول نموذج فعال للواي فاي، والذي كان قادرًا على نقل 20 مليون قطعة معلومات في الثانية، وهو إنجاز هائل في ذلك الوقت. بعد ذلك، أبدت شركات كبرى مثل إنتل اهتمامًا بتصغير الجهاز ليصبح جزءًا من أجهزة الكمبيوتر، وبحلول عام 1997، تمكنوا من تحويله إلى بطاقة يمكن تثبيتها داخل الكمبيوتر.

لم يكن اختراع الواي فاي مجرد تقدم تكنولوجي، بل كان تغييرًا جذريًا في طريقة تواصل العالم. يرى الدكتور زغلول أن ما فعلوه في هذا المجال يعادل اختراع الهاتف، وهو إنجاز يستحق التقدير والاحتفاء. إن قصة حاتم زغلول تذكرنا بأن العقول العربية قادرة على الإبداع والابتكار، وأن إسهاماتها يمكن أن تغير العالم، حتى لو لم تحظ بالتقدير الكافي في البداية. فكم من حاتم زغلول آخر بيننا ينتظر من يكتشف إبداعه؟