حجم الخط:(عادي)

في تلك اللحظة الفاصلة بين صعود الشمس وهبوطها، حين تقف الكرة النارية الهائلة على عتبة الزوال كأنها تتردد قبل الانحدار، يُفتح في السماء بابٌ لا يعلم سعته إلا الله. هذا الوقت الذي يغفل عنه كثيرون في غمرة أشغالهم، هو عند النبي ﷺ وقتٌ مبارك، وصلاةٌ مخصوصة، وفضلٌ يُعرض على من أقبل.

ما هي صلاة الزوال؟

صلاة الزوال هي السنة الراتبة القبلية للظهر — أربع ركعات تُصلَّى بعد أذان الظهر وقبل الفريضة. وقد خصّها النبي ﷺ بفضلٍ بالغ، فقال فيما رواه الترمذي وصحّحه الألباني: "إذا زالت الشمس فُتحت أبواب السماء، ولم تُغلق حتى تُصلَّى الظهر، فأحبّ أن يصعد لي في تلك الساعة عملٌ صالح" [1].

وهذا الحديث وحده كافٍ لمن يفقه لغة الأولويات أن يُدرك أن هذه الدقائق ليست عادية.

صحة الأحاديث الواردة فيها

تعددت الأحاديث في فضل هذه الصلاة، وقد تفاوت العلماء في درجاتها:

الحديث الأول: عن عبدالله بن السائب رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يُصلي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: "إنها ساعةٌ تُفتح فيها أبواب السماء، فأحبّ أن يصعد لي فيها عملٌ صالح" — رواه الترمذي (478) وحسّنه، وصحّحه الألباني في صحيح الترمذي [1].

الحديث الثاني: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر — رواه أبو داود (1270) وابن ماجه (1157)، وصحّحه الألباني [2].

الحديث الثالث: عن عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ يُصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً" — رواه مسلم (730)، وهذا أصحّ ما ورد في الباب [3].

فتاوى العلماء

اتفق جمهور الفقهاء على استحباب هذه الصلاة، وتفاوتوا في بعض التفاصيل:

الإمام النووي رحمه الله قال في المجموع: "السنة القبلية للظهر أربع ركعات، وهي من أفضل السنن الرواتب" [4].

الشيخ ابن باز رحمه الله أفتى بأن هذه الأربع ركعات سنةٌ مؤكدة، وأن المحافظة عليها من علامات الاعتناء بالسنن [5].

الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قال: "تُصلَّى أربعاً بتسليمتين، وإن صلاها بتسليمة واحدة جاز" [6].

الشيخ الألباني رحمه الله صحّح أحاديثها وأكد ثبوتها في إرواء الغليل [7].

كيف تُصلَّى؟

تُصلَّى أربع ركعات بتسليمتين — أي ركعتان ثم تسليم، ثم ركعتان وتسليم. ووقتها: من بعد الأذان مباشرةً حتى إقامة الصلاة. ولا يُشترط لها نيةٌ خاصة غير نية السنة القبلية للظهر.

لماذا تغفل عنها الناس؟

لأنها تقع في وقت الانشغال — وقت العمل والمواعيد والضجيج. وهذا بالضبط ما جعل النبي ﷺ يُنبّه إليها تنبيهاً خاصاً. فكأنه يقول: في خضم انشغالك، لا تنسَ أن السماء مفتوحة، وأن الله ينتظر أن يصعد لك فيها عملٌ صالح.

أربع ركعات. عشر دقائق. وأبواب السماء مفتوحة.


المراجع

[1] سنن الترمذي، حديث رقم 478 — صحّحه الألباني في صحيح الترمذي.

[2] سنن أبي داود، حديث رقم 1270 — صحّحه الألباني في صحيح أبي داود.

[3] صحيح مسلم، حديث رقم 730.

[4] النووي، المجموع شرح المهذب، ج4.

[5] مجموع فتاوى ابن باز، ج11.

[6] الشرح الممتع على زاد المستقنع، ابن عثيمين، ج4.

[7] إرواء الغليل، الألباني، ج2.