شارك هذا المقال

حجم الخط:(عادي)

في أوّل يوم بعد التقاعد، استيقظتُ على صمتٍ لم أعرفه من قبل.

لم يكن صمتاً عادياً — ذلك الصمت الذي يسبق الضجيج ويعرف أنه مؤقت. كان صمتاً من نوع آخر، صمتٌ يقول لك بهدوء تام: لن يأتي أحد. لا رنين هاتف يستدعيك، لا باب يُطرق، لا صوت يقول "أستاذ، عندك دقيقة؟" الصمت هذه المرة لم يكن يستأذن — كان يسكن.

نهضتُ. مشيتُ في البيت كمن يتفقّد مكاناً يعرفه لكنه يراه لأول مرة. دخلتُ غرفة المكتب — تلك الغرفة التي كنتُ أهرب إليها في عطل نهاية الأسبوع لأكمل ما لم يكتمل في العمل. جلستُ على الكرسي، ووضعتُ يديّ على المكتب الفارغ.

فارغٌ من الأوراق. فارغٌ من الملفات. فارغٌ من كل شيء كان يعني أنني مشغول ومهم وضروري.

وتساءلتُ: من أنا خارج كل هذا؟

لأربعين عاماً، كان العمل يُجيب عن هذا السؤال نيابةً عني. كان لي مسمى وظيفي يُعرّفني، وصلاحيات تُحدّد حجمي، وناس يحتاجونني. كنتُ أعرف من أنا لأنني كنتُ أعرف ماذا أفعل. الهوية كانت مرتبطة بالدور، والدور كان مرتبطاً بالمكتب.

والآن انتهى الدور. وبقيتُ أنا.

تذكّرتُ وجوهاً كثيرة مرّت من أمام ذلك المكتب. تذكّرتُ خالداً — الموظف الشاب الذي جاء إليّ ذات صباح قبل ثلاثة عشر عاماً، وجلس أمامي بعينين مليئتين بالقلق، وقال: "أستاذ، أخشى أن أكون في المكان الخطأ." أمضينا ساعة كاملة نتحدث — لا عن العمل، بل عنه هو. وفي نهاية تلك الساعة، رأيتُ في عينيه شيئاً تغيّر. اليوم هو مدير تنفيذي في إحدى الشركات الكبرى، وكلما التقيتُ به يقول: "تلك الساعة غيّرت مساري."

كل هذا كان حقيقياً. كل هذا كان يستحق. لكنه انتهى. وهذا أيضاً حقيقي.

لم يكن هذا الإدراك مؤلماً. كان — وهذا ما فاجأني — محرراً.

لأول مرة منذ عقود، لم يكن أمامي جدول أعمال يحدد من أكون. كنتُ حراً — حرية حقيقية. حراً أن أكون الأب الذي يملك وقتاً لأبنائه دون اعتذار، والصديق الذي لا يقول "مشغول" كلما احتاجه أحد.

أخذتُ ورقة وقلماً، وبدأتُ أكتب. ليس تقريراً، ولا خطة عمل. كتبتُ أسماء الناس الذين أريد أن أقضي وقتاً معهم. كتبتُ الأماكن التي أريد أن أزورها، والكتب التي أريد أن أقرأها، والكلمات التي أريد أن أكتبها.

وحين انتهيتُ، نظرتُ إلى الورقة. كانت ممتلئة.

المكتب كان فارغاً. لكن الحياة — لم تكن كذلك.