شارك هذا المقال

حجم الخط:(عادي)

الغربة تعلّمك أشياء كثيرة. تعلّمك كيف تطبخ، وكيف تغسل ملابسك، وكيف تدير ميزانيتك. لكنها تعلّمك أيضاً — وهذا الدرس الأغلى — أن الحماس وحده لا يكفي.

الفكرة الرائعة

كانت زوجتي قد أبدت شوقها إلى البسبوسة — تلك الحلوى السعودية التي تحمل في كل قطعة منها ذكرى البيت والأهل. وأنا، بحماس الزوج المحب والطالب الغريب الذي يريد أن يُثبت أنه قادر على كل شيء، قررت أن أصنع لها البسبوسة في قيلفورد.

جمعتُ المكونات بصعوبة — بعضها من محلات عربية في لندن، وبعضها بدائل إنجليزية لا أعرف مدى ملاءمتها. وفي صباح أحد الأيام، بدأتُ المشروع الكبير.

الخطأ الكبير

وضعتُ البسبوسة في الفرن، وضبطتُ المؤقت — أو هكذا ظننتُ. ثم جاء اتصال من صديق في لندن يدعوني لزيارة عاجلة. وأنا، في غمرة الحماس والاستعجال، نسيتُ شيئاً واحداً صغيراً: البسبوسة في الفرن.

ذهبتُ إلى لندن. وبقيت البسبوسة في الفرن.

العودة والمفاجأة

حين عدتُ في المساء، استقبلتني رائحة لا تشبه رائحة البسبوسة بأي حال من الأحوال. فتحتُ باب الشقة فرأيتُ ما لم أتوقعه: جدران المطبخ سوداء، والسقف أسود، والهواء ثقيل بدخان لا يزال يتصاعد من الفرن المفتوح.

البسبوسة؟ كانت قطعة فحم صغيرة في قاع الصينية.

المالكة وصاحب البيت

لكن الأسوأ لم يكن البسبوسة المحترقة. الأسوأ كان صاحب البيت — رجل إنجليزي هادئ الطبع في العادة — الذي طرق الباب بعد ساعة وسألني بنبرة لا تخفي انزعاجها: "هل أنت بخير؟ وهل يمكنك أن تشرح لي ما الذي حدث في مطبخك؟"

شرحتُ له. ورأيتُ في عيونه ذلك المزيج الغريب من الشفقة والاستغراب الذي يعرفه كل عربي عاش في بيت إنجليزي.

الدرس من البسبوسة

تعلّمتُ من تلك البسبوسة المحترقة درساً لم أتعلمه من أي كتاب طبخ: الحماس بلا انتباه يُحرق ما تريد أن تصنعه. وهذا ينطبق على البسبوسة كما ينطبق على كثير من مشاريع الحياة.

وتعلّمتُ درساً ثانياً: الغربة تجعلك تفعل أشياء لم تكن لتفعلها في بلدك. وهذا ليس ضعفاً — بل هو الدليل على أن الإنسان قادر على التكيّف، حتى حين يُحرق البسبوسة.


*هذه القصة مقتطف من كتاب مرافئ الذكريات للمستشار غازي بن حمدان الشاعر — ذكريات من سنوات الدراسة في بريطانيا.*