في كل مرة أجلس أمام ورقة بيضاء، يسألني قلمٌ لا يكذب: هل تكفي الكلمات لتحمل ثقل التجربة؟ وهل يستطيع الحرف أن يُعبّر عمّا عجزت عنه الأيام؟ ربما لا. لكن الكتابة، في نهاية المطاف، هي أجمل طرق الانسحاب من صمتٍ يثقل الصدر ويُضيّق الأفق.
أربعون عاماً وأنا أُرافق الشركات في صعودها وهبوطها، وأُعاين رجال الأعمال في لحظات قوتهم وضعفهم، في أوقات الرخاء وفي ساعات الأزمات. تعلّمت من هذه العقود الطويلة أن الإنسان — لا المال، ولا الآلة، ولا التقنية مهما تطوّرت — هو الثروة الحقيقية لأي مؤسسة تريد أن تبقى. وتعلّمت أيضاً، وهذا ما يؤلم ولا يُنسى، أن بعض أصحاب المال لا يزالون يرون في الإنسان مجرد "بند" في ميزانية جامدة، يُستخدم حين يُحتاج ويُنسى حين لا يُفيد، كقطعة غيار لا روح فيها ولا كرامة.
الشيخ والسوبر مان
اتصل بي أحد مُلّاك الشركات في مستهل العشر الأواخر من رمضان المبارك. كان صوته يحمل عجلةَ من لا يعرف أن للأيام المباركة حرمةً، وأن للزمن المقدّس وقاراً لا يليق بالاستعجال. أراد مدير مشاريع، لكنه في حقيقة الأمر كان يبحث عن "سوبر مان"؛ مهندس مدني تتشرّب أصابعه خبرةً عميقة في الصيانة والتشغيل والترميم، يُتقن إعداد الدراسات الفنية والمالية بعين الخبير وقلم المحاسب، ويعرف كيف يُحكم قبضته على منصة "اعتماد" — تلك البوابة الرقمية التي أصبحت اليوم شريان المنافسات الحكومية في المملكة، حيث تُطرح المناقصات وتُقدَّم العطاءات وتُرفع المستخلصات، وحيث لا مكان للمرتجلين ولا للعابرين.
أعددتُ الوصف الوظيفي بسرعة المحترف وعناية الصانع. أعجبه. وافق عليه بحماس من يظن أن الأمر لن يطول. وبدأت رحلة البحث عن ذلك السوبر مان.
كان الناس في العشر الأواخر يُحيون لياليهم بالذكر والقرآن والدعاء، وأنا أُحيي لياليّ بالبحث والاتصال والمراسلة. تواصلت مع مكاتب الاستقدام في الأردن ونظيراتها في مصر، واستنفرت شبكة واسعة من الأصدقاء والمعارف في أرجاء المملكة العربية السعودية. توالت السير الذاتية من كل حدب وصوب، وبدأت رحلة الفرز التي لا يعرف مرارتها إلا من خاضها؛ سيرةٌ بعد سيرة، واتصالٌ بعد اتصال، وبريدٌ إلكتروني بعد بريد، وثلاثة أسابيع لم أهنأ فيها بدعاء ولا بفرحة عيد.
لكنني لم أكن وحيداً في هذا الجهد. كان معي شركاء أعطوا من وقتهم ما لا يُقدَّر؛ أصدقاء أوفياء ومكاتب استقدام بذلت جهداً حقيقياً، ومرشحون اقتطعوا من أوقاتهم وأعصابهم وآمالهم. كلهم آمنوا بأن وراء هذا البحث صاحب عمل جاد، يعرف قيمة الالتزام ويُجلّ ثقل الكلمة المعطاة.
المقابلات... وذهب مع الريح
ضاقت دائرة المفاضلة بعد فرز مُنهك ومضنٍ، وصفّينا المرشحين حتى وصلنا إلى من يستحق. كان الشيخ يُحسن الحوار ويُجيد الإصغاء، لكن لم يُعجبه أحد — كأنه يبحث عن كمالٍ لا يوجد إلا في الخيال. حتى وصلنا إلى مرشح يمتلك من المؤهلات والخبرات ما يجعله، بحكم أربعين عاماً من فرز الكفاءات، قريباً جداً من المواصفات المطلوبة. أجرينا معه مقابلتين مثمرتين. واتفقنا على ثالثة وأخيرة. حدّدنا اليوم التالي والساعة بعناية.
جاء الموعد. وحضر الجميع... ولم يأتِ الشيخ.
لم يعتذر. لم يتصل. لم يُبرر. اختفى كما يختفي الشبح في الروايات القديمة، وكأن الأرض ابتلعته أو أن الريح اختطفته. وقفتُ أضرب كفاً بكف، وفي ذهني تتردد عبارة واحدة لا تُفارق: "ذهب مع الريح." ولم أتقاضَ مقابل كل هذا الجهد فلساً واحداً.
اعتذار... من القلب
لهذا أكتب اليوم. ليس شكوى تُذاع، ولا استجداءً يُنشر، بل اعتذار واجب أُؤدّيه لكل من أوقعته في حرج بسبب التزامي بوعد لم يلتزم به من طلبه.
أعتذر للمرشحين الذين أعطوا من وقتهم وأعصابهم وآمالهم. أعتذر لمكاتب الاستقدام في مصر والأردن التي تعاملت بمهنية واحترام نادرين. أعتذر لأصدقائي في المملكة الذين استنفروا طاقاتهم في أيام كانوا يستحقون فيها الراحة والعبادة. أعتذر عن كل قلق وتعب وحرج وقعوا فيه بسببي، وبسبب شيخ لم يُدرك أن الكلمة أمانة، وأن الموعد ميثاق، وأن الصمت في هذا الميدان جريمة بحق الجميع.
ولمن يتعامل مع مكاتب الاستقدام وشركات التوظيف، أقول بصراحة من عاش الميدان: على ما فيهم من عيوب وطمع أحياناً، فإنهم في نهاية المطاف شركاء استراتيجيون لا أدوات تُستخدم وتُرمى. على من يتعامل معهم أن يلتزم بالوضوح والشفافية منذ اللحظة الأولى، وأن يعطي مواعيده حقها من الاحترام، وأن تكون إجاباته واضحة بالقبول أو الرفض — فالتلاعب بأوقات الناس ليس حكمة، بل هو إفلاس أخلاقي مُقنَّع بثوب الانشغال.
فن التوظيف... وما هو آتٍ
هذه التجربة، رغم مرارتها، أكّدت لي ما آمنت به طويلاً: التوظيف فنٌّ وعلم، وليس تنقية خراف في حلقة الغنم. الكفاءة الحقيقية لا تُكتشف بالعجلة، ولا تُستقطب بالعشوائية. لها آليات راسخة، ولها معايير دقيقة، ولها أسس تكشف الحقيقة خلف كل سيرة ذاتية وخلف كل ابتسامة في مقابلة.
ولأن أربعين عاماً من الخبرة لا يجوز أن تظل حبيسة الذاكرة، فقد قررت أن أشرع في رحلة كتابية جديدة — سلسلة من المقالات أضع فيها عصارة ما تعلّمته في هذا الميدان الشائك الجميل. رحلة تبدأ من فن بناء الهيكل التنظيمي للشركة، مروراً بإعداد الوصف الوظيفي والإعلان الوظيفي الذي يجذب لا يُنفّر، ثم قراءة ما بين سطور السير الذاتية وفرزها واختيار الموظف الكفء. ونمر على أسرار كتابة السيرة الذاتية التي تُقنع لا تُزيّن، ثم نغوص في عالم المقابلات الوظيفية وكيف تُدار باحترافية واحترام. والقصة لا تكتمل دون الحديث عن مكاتب الاستقدام والتوظيف داخل المملكة وخارجها، وكيف تُبنى معهم شراكات حقيقية لا علاقات استهلاكية عابرة.
آمل أن تكون هذه السلسلة مرجعاً يُسترشد به، لا مجرد كلمات تُقرأ وتُنسى.
في النهاية، المال يبني الشركات، لكن الأخلاق والالتزام هما ما يبنيان الأسماء. وأما من يتلاعبون بجهود الناس وأوقاتهم وآمالهم، فسيظلون يبحثون عن "سوبر مان" في عالم لا يحترم إلا الصادقين.
*المستشار والخبير الإداري غازي بن حمدان الشاعر*