ثمة لحظة غريبة يعرفها كل من جلس خلف مقود سيارة أجرة — لحظة تتوقف فيها الموسيقى في الرأس، وتتجمد فيها الأفكار، ويجد الإنسان نفسه أمام مشهد لم يتوقعه.
وقعت لي تلك اللحظة في رحلة عادية، حين صعد راكب، قطع المسافة في صمت تام، ثم حين وصلنا إلى وجهته، فتح الباب، وألقى على المقعد الخلفي ريالاً واحداً — ريالاً واحداً فحسب — ونزل دون أن ينظر إليّ.
ماذا يساوي الريال؟
لم يكن الأمر عن المال. فالريال الواحد لا يُغني ولا يُسمن من جوع، ولا يُضيف إلى حساب البنك ما يُذكر. لكن الريال الواحد — حين يُلقى على المقعد بتلك الطريقة، دون نظرة ودون شكر — يحمل رسالة واضحة لا تحتاج إلى ترجمة: "هذا ما تستحقه."
وقفت لحظة أنظر إلى ذلك الريال. ثم رفعته، ووضعته في جيبي.
ليس لأنني أحتاجه. بل لأن رفضه كان سيعني أنني أعترف بأن ما حدث يستحق ردّ فعل. وأنا لا أريد أن أمنح تلك اللحظة أكثر مما تستحق.
ما تعلّمته من ذلك الريال
في سنواتي الأربعين في بيئات العمل، تعلّمت أن الكرامة ليست في ما يعطيك الآخرون — بل في كيف تستقبل ما يعطونك. الإنسان الذي يُلقي ريالاً على مقعدك لا يُحدد قيمتك. هو يُحدد قيمته هو.
وكنت في تلك اللحظة أفكر: هذا الرجل ربما يتصرف هكذا مع كل من يخدمه. مع النادل في المطعم، ومع الموظف في الدائرة، ومع من هم "تحته" في السلّم الاجتماعي الذي رسمه في ذهنه. وهذا يعني أنه يحمل في داخله جداراً يفصله عن نصف البشرية — الجدار الذي يقول: "هؤلاء لا يستحقون أن أنظر إليهم."
وهذا الجدار — مهما بدا متيناً — هو في الحقيقة أكثر الجدران هشاشةً. لأنه مبني من الوهم لا من الحجارة.
الكرامة في العمل
اخترت قيادة سيارة الأجرة بمحض إرادتي — بعد أربعين عاماً من المناصب والمسؤوليات. واخترتها لأنني أردت أن أرى الناس كما هم، لا كما يريدون أن يظهروا. وما رأيته علّمني أن الكرامة الحقيقية لا تأتي من المنصب ولا من الراتب ولا من السيارة التي تقودها — بل من الطريقة التي تنظر بها إلى من أمامك.
ذلك الريال ما زال في ذاكرتي. ليس لأنه آلمني — بل لأنه علّمني.
*هذه القصة جزء من سلسلة يوميات سائق — حلقات من تجربة حقيقية عاشها المستشار غازي بن حمدان الشاعر حين قرر بعد التقاعد أن يقود سيارة أجرة ليرى الناس كما هم.*