ثمة مواقف تحدث لك مرة واحدة في العمر، لكنها تبقى معك إلى الأبد. هذا الموقف حدث لي في شتاء 1984م، في مدينة روثرهام البريطانية، وأنا طالب في بداية مشواري مع الغربة والبرد الإنجليزي.
ليلة الانتظار
كنت في طريقي إلى هايبر ماركت على أطراف المدينة — زوجتي توحّمت على نوع من الفاكهة لا يُباع إلا هناك. وصلت إلى محطة الباصات المركزية لأكتشف أن جدول المواعيد تغيّر، وأن عليّ الانتظار ساعة كاملة في برد يتسلل إلى العظم.
جلست على المقعد وبدأت النساء الإنجليزيات يتوافدن — تلك في يدها سنارة تغزل بها، وتلك في يدها كتاب تقرأ منه. وأنا أقطع الوقت بأنشودة أدندنها وأغنية أترنم بها.
الضيف غير المدعو
وإذا برجل هرم يمشي ثملاً — قد لعبت الخمر برأسه لعباً كاملاً — يترنح يمنة ويسرة. زجاجة خمر في يده اليمنى يعب منها في كل لحظة، وأخرى تحت إبطه الأيسر، وثالثة في جيب سترته المهترئة.
تجاوزني بخطوات، ثم وقف فجأة. استدار إليّ، وأخذ يرمقني بنظرات مريبة. ثم أقبل نحوي خطوة بعد خطوة، حتى أصبح على بُعد خطوتين مني.
وأنا جالس في هدوء وبرودة أعصاب — ظاهرياً على الأقل.
حنى ظهره نحوي، واقترب بوجهه من وجهي، وقال بصوت مرتفع: "Give me a kiss."
الرد الذي لم أتوقعه من نفسي
موقف مفاجئ. لعبت الخمر برأسه لدرجة أنه يحسبني فتاة.
قلت له ببرود وإنجليزية شبه مكسرة: "تركتَ كل هؤلاء الجميلات اللواتي عن يميني وقدمتَ إليّ تريد قبلة؟ بمقدورك أخذ ما تشاء من القبل من السيدات اللواتي عن يميني." وأشرت بيدي نحوهن.
ما إن انتهيت من جملتي تلك إلا وكل السيدات الإنجليزيات قد هربن موليات — منهن من رمت سنارتها، ومنهن من ألقت بكتابها — هرباً من هذا العربيد.
حاول قليلاً أن أعطيه قبلة، ولكنني ثبتُّ على موقفي. ثم انصرف وهو يجر أذيال الخيبة.
ما بقي في الذاكرة
كنتُ أتمنى فهم ولو كلمة واحدة مما قاله لي. وكم كنتُ أتمنى معرفة السبب الذي شده لطلب قبلة مني عوضاً عن الجالسات بجانبي.
حقيقةً، أنا جميل والتاريخ والكيمياء يشهدان بذلك — ولكن ليس لتلك الدرجة!
هذه القصة تحمل في ظاهرها الطرافة. لكنها تحمل في باطنها شيئاً آخر: ذكرى الغربة الأولى، وبرد الشتاء الإنجليزي، وتلك اللحظات التي تجد فيها نفسك وحيداً في مكان بعيد، تواجه ما لم تتوقعه، وتكتشف أن الإنسان قادر على التكيّف مع أي موقف — حتى مع سكران يطلب قبلة في محطة باص.
*هذه القصة مقتطف من كتاب مرافئ الذكريات للمستشار غازي بن حمدان الشاعر — ذكريات من سنوات الدراسة في بريطانيا.*